أحمد الشرباصي
103
موسوعة اخلاق القرآن
ولم ينتفعوا بهدي القرآن حين ذكّر الناس بأن الفرار رذيلة منكرة ، ومع ذلك لا تجدي ولا تنفع ، كما قال اللّه تعالى في سورة الأحزاب : « قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا » . وكما قال في سورة الجمعة : « قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ » . والصوفية على طريقتهم في فلسفة الأخلاق - يصورون الثبات تصويرا خاصا له صلته بعلاقة الانسان المتعبد بربه المعبود جل جلاله ، فيقول مثلا محمد ابن الفضل البلخي : « أصل الثبات على الحق دوام الفقر إلى اللّه تعالى » . ولعل هذا يذكر بقول ابن عطاء اللّه السكندري : « أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات » . وقد عرف رجال هذه الأمة ما للثبات في مواقف الهول من مكانة ومنزلة ، وهذا شاعر يصف مجاهدا شهيدا فيقول فيه : وقد كان فوت الموت سهلا فردّه * اليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر ونفس تعاف الضيم حتى كأنه * هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر فأثبت في مستنقع الموت رجله * وقال لها : من تحت أخمصك الحشر تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى * لها الليل إلا وهي من سندس خضر وهذا شجاع ثابت آخر يقول عن ثباته : فإن تكن الأيام فينا تبدلت * بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل فما ليّنت منا قناة صليبة * ولا ذللتنا للذي ليس يجمل ولكن صحبناها نفوسا أبيّة * تحمّل ما لا يستطاع فتحمل إن أفضل زينة للمجاهد المؤمن هو أن يتحلى على الدوام بخلق الثبات .